يدور سباق فضائي جديد، لكنه ليس بين الدول بقدر ما هو بين شركات التكنولوجيا. والهدف؟ أن تكون الأولى في إطلاق مراكز بيانات إلى الفضاء. وهذا الشهر، أعلن إيلون ماسك عن اندماج شركته الفضائية «سبيس إكس» مع شركته للذكاء الاصطناعي «إكس إيه آي» في محاولة لإطلاق مليون قمر صناعي يمكنها العمل معاً لتشكيل مراكز بيانات خارج الأرض. واقترح مشروع «صن كاتشر» التابع لشركة جوجل إنشاء مراكز بيانات في الفضاء باستخدام أشعة الليزر لنقل البيانات بين أقمار صناعية متقاربة في المدار. وفي أواخر العام الماضي، أطلقت شركة منافسة تُدعى «ستار كلاود» قمراً صناعياً بحجم ثلاجة إلى الفضاء، وهي الخطوة الأولى نحو إنشاء مركز بيانات مداري خاص بها.
لن يكون أي من هذا سهلاً من الناحية التقنية. لكن شركات التكنولوجيا تزعم أن مراكز البيانات في الفضاء قد تصبح أكثر فعالية من حيث التكلفة من مستودعات خوادم الكمبيوتر الضخمة التي تستهلك مساحات شاسعة من الأرض والمياه والكهرباء.
قال ماسك في بيانٍ له عقب إعلانه عن اندماج شركته: «لا يمكن تلبية الطلب العالمي على الكهرباء اللازمة للذكاء الاصطناعي بالحلول الأرضية، حتى على المدى القريب، دون إلحاق أضرار جسيمة بالمجتمعات والبيئة. ومن خلال تسخير الطاقة الشمسية شبه الدائمة مباشرةً، مع تكاليف تشغيل وصيانة منخفضة، ستُحدث هذه الأقمار الصناعية نقلة نوعية في قدرتنا على توسيع نطاق الحوسبة. ففي الفضاء الشمس مشرقة دائماً!»
مع ذلك، يُبدي بعض علماء الفلك والاقتصاديين قلقهم من أن ما قد يكون مفيداً لبيئة ما قد يكون ضاراً ببيئة أخرى. يوجد حالياً نحو 14 ألف قمر صناعي في الفضاء، وتتعرض هذه الأقمار أحيانا للاصطدام، كما تُخلّف حطاماً فضائياً، بدءاً من معززات الصواريخ المستهلكة وصولا إلى البراغي المتناثرة. فعلى سبيل المثال، في 30 يناير، تفكك أحد أقمار التجسس الروسية القديمة إلى أجزاء متناثرة. وقد يُفاقم وضع مراكز بيانات ضخمة في المدار هذه التحديات. في العقود الأخيرة، تزايد الوعي بأن البشرية قد تكرر خطأها مع المحيطات، إذ تنظر إلى الفضاء كمورد لا ينضب يمكننا فيه إلقاء النفايات. بعيداً عن الأنظار. وقد دفع هذا الوعي العلماء والاقتصاديين والسياسيين إلى التركيز على حلول تُسهّل التقدم التكنولوجي وتُقلّل في الوقت نفسه من تلوث الفضاء.
يقول «أخيل راو»، الخبير الاقتصادي السابق في وكالة ناسا: «يتزايد إدراك العاملين في هذا المجال أن الفضاء بيئة، تماماً كما أن الأرض بيئة».
في عام 2024، شكّلت مراكز البيانات في الولايات المتحدة 4.4% من إجمالي استهلاك الكهرباء في البلاد. وأفادت دراسة صدرت العام الماضي عن معهد الدراسات البيئية والطاقة أن مراكز البيانات الكبيرة يمكن أن تستهلك 5 ملايين جالون من المياه يومياً.
غير أن الكُلفة البيئية على الجانب الآخر من المعادلة أقل وضوحاً. ففي عام 1978، شارك عالم الفيزياء الفلكية «دون كيسلر» في كتابة ورقة علمية مؤثرة حول العواقب المحتملة لتراكم الأقمار الصناعية حول الكوكب. وحتى من دون مراكز بيانات مدارية، أصبح المدار مزدحماً بالفعل.
يشعر علماء الفلك بقلق بالغ إزاء «تأثير كيسلر». يحدث هذا التأثير عندما تُخلّف التصادمات المدارية حطاماً فضائياً، مما يُؤدي إلى المزيد من التصادمات والمزيد من الحطام. ففي عام 2009، على سبيل المثال، اصطدم قمر صناعي للاتصالات بمركبة فضائية عسكرية روسية مهجورة. وتحوّل كل جسم إلى سحب من الشظايا التي واصلت دورانها حول الأرض. ويستغرق الأمر حوالي 11 عاماً حتى تسحب الجاذبية الأجسام الصغيرة في المدارات المنخفضة إلى الغلاف الجوي للأرض.
يوجد حالياً نحو 25 ألف قطعة حطام فضائي يمكن تتبعها، بحسب جوناثان ماكدويل، عالم الفيزياء الفلكية المتقاعد من مركز هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية. وهذا يشمل فقط ما يمكن رؤيته. أما الأجسام الأصغر، مثل كرات الوقود المتجمدة التي تطردها الأقمار الصناعية، فتتحرك في المدار بسرعة تفوق سرعة الرصاص، وتشكّل خطراً على رواد الفضاء أثناء السير في الفضاء.
ما لم تُجرَ عمليات تنظيف، قد يصبح الفضاء في النهاية شديد الخطورة بحيث يتعذر اجتيازه بأمان. ربما حان الوقت للاستعانة بمركبات متخصّصة في إزالة الحطام الفضائي.
تستعد شركة «أستروسكيل» البريطانية اليابانية لإطلاق مركبة لإزالة الحطام هذا العام. ستتولى هذه المركبة مهمة توجيه الأقمار الصناعية المهجورة ومعززات الصواريخ إلى مدار منخفض لتحترق عند دخولها الغلاف الجوي. ويجري اختبار تقنيات تنظيف أخرى. ففي عام 2018، نجح قمر صناعي أوروبي تابع لشركة «ريموف ديبريس» في التقاط جسم فضائي باستخدام شبكة من البولي إيثيلين. وتعمل شركة «كلير سبيس» السويسرية على تطوير مركبة مزوّدة بأذرع روبوتية تشبه المخالب للإمساك بالأقمار الصناعية التي تحتاج إلى تفكيك.
يقول الدكتور ماكدويل: «الصين، التي لم يكن سجلها في الماضي حافلاً بالإنجازات في مجال التخلص من الحطام الفضائي، هي في الواقع أول دولة تقوم بعملية إزالة حقيقية لهذا الحطام. في هذه الحالة، في المدار الثابت بالنسبة للأرض، على ارتفاع 36 ألف كيلومتر، أرسلت الصين مركبة سحب إلى قمر صناعي ملاحي معطل تابع لها، وسحبته إلى مدار أعلى - ما يُسمى بمدار المقبرة - وأطلقته هناك».
ويضيف الدكتور ماكدويل أن هناك مصلحة مشتركة في حل مشكلة الحطام الفضائي. وتقدم لجنة تنسيق الحطام الفضائي المشتركة بين الوكالات توصيات بشأن أفضل الممارسات، لكن هذه التوصيات غير ملزمة. ففي انتهاك لهذه التوجيهات، أجرت روسيا تجربة عسكرية لتفجير أحد أقمارها الصناعية قبل خمس سنوات.
يقول الدكتور راو، الخبير الاقتصادي السابق في وكالة ناسا، إن العديد من الشركات التجارية، مثل ستارلينك، تتبع ممارسات التخلص السليم من الأقمار الصناعية. ولديها حافز قوي للقيام بذلك. فإذا تركت الشركات أقماراً صناعية مُعطلة في الفضاء، فإنها بذلك تُعرّض أقمارها الصناعية العاملة للخطر.
ومع ذلك، فإن الالتزام قد يكون معقداً. فالأقمار الصناعية تصبح أقل استجابة للأوامر مع مرور الوقت، وبحلول انتهاء عمرها الافتراضي قد لا تعود قادرة على الخروج من المدار.
وقد اقترح اقتصاديون حلولاً قائمة على الحوافز. فمثلاً، يمكن للهيئات التنظيمية أن تفرض ضريبة على الشركات طوال فترة بقاء قمرها الصناعي في الفضاء، أو أن تطلب سنداً مالياً عند إطلاق القمر لا يُسترد إلا بعد خروجه من المدار، وتُستخدم الأموال في أنشطة تنظيف الفضاء. عكس الأجسام السماوية الصناعية ضوء الشمس نحو الأرض، فتظهر في الصور الفلكية. ويقول علماء يبحثون عن كويكبات خطيرة إن وميض الأقمار عند الفجر والغسق يجعل من الصعب أيضاً رصد الأجسام خلفها. وقد تكون أقمار مراكز البيانات أكبر وأكثر سطوعاً من غيرها.
ويشرح «أوليفييه هينو»، عالم الفلك في المرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي: «آلاف الأقمار الساطعة قد تُضعف بالفعل قدرتنا على اكتشاف بعض الأجسام القريبة من الأرض التي قد تشكّل تهديداً».
*صحفي لدى كريستيان ساينس مونيتور.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»


